lundi, 06 janvier 2020 05:38

حرمة البيوت في الإسلام

Écrit par
Évaluer cet élément
(1 Vote)
لما خصص الله سبحانه ابن آدم، الذي كرمه وفضله، بالمنازل، وسترهم فيها عن الأبصار، وملَّكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحجر على الخلق أن يطلعوا على ما فيها من خارج، أو يلجوها دون إذن أربابها لئلا يهتكوا أستارهم، ويبلوا في أخبارهم ...
ولما كانت البيوت هي المحضن الأول لِلَبِنات المجتمع، والعش الذي يفيء إليه أفراد الأسرة، والأساس الذي يقوم عليه بناء المجتمعات...
 
فإن الإسلام أَوْلى هذه البيوت عناية عظمى؛ فجعل لها حرمة لا يجوز المساس بها، فلا يفاجأ الناس في بيوتهم بدخول الغرباء عليهم إلا بعد استئذانهم وسماحهم بالدخول خيفة أن تطلع الأعين على خفايا البيوت، وعلى عورات أهلها وهم غافلون ... والعورات كثيرة تعني غير ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذه اللفظة، إنها ليست عورات البدن وحدها، إنما تُضاف إليها عورات الطعام، وعورات اللباس، وعورات الأثاث، التي قد لا يحب أهلها أن يفاجئهم عليها الناس دون تهيؤ وتَجمُّل وإعداد... وهي عورات المشاعر والحالات النفسية، فمن منا يحب أن يراه الناس وهو في حالة ضعف يبكي لانفعال مؤثر، أو يغضب لشأن مثير، أو يتوجع لألم
يخفيه عن الغرباء؟!
 
لهذا وغيره شرع العليم الخبير أدب الاستئذان، ليكون ضمانا للحفاظ على حرمة البيت عندما يلتزم به كل فرد من أفراد المجتمع، فلا يدخل أحد على أحد بيته إلا بإذنه، سواء كان الباب مغلقا أو مفتوحا »لأن الشرع قد أغلقه بالتحريم حتى يفتحه بالإذن من ربه«   فإن مجرد الاستئذان لا يبيح الدخول، إنما هو طلب للإذن، فإن لم يأذن أهل البيت فلا دخول كذلك، ويجب الانصراف دون تلكؤ ولا انتظار  قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون. فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم) النور: 27-28
 
وقد روى البخاري من حديث سهل بن سعد قال: اطلع رجل من جحر في حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى يحك به رأسه، فقال:» لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر« 
 
ورغم كل هذه العناية التي يوليها الإسلام للبيت، ومع هذه القدسية التي تصطبغ بها مؤسسة الأسرة في ظل النظام الإسلامي، فإننا فرطنا كثيرا في هذا الأمر، كما فرطنا في غيره، وإن الرجل منا ليهجم على أخيه في بيته، في أية لحظة من لحظات الليل والنهار يطرقه ويطرقه فلا ينصرف أبدا حتى يزعج أهل البيت فيفتحوا له.
 
ورغم توفر وسائل الاتصال التي يمكن الاستئذان بواسطتها قبل المجيء، ليؤذن له أو يعلم أن الموعد لا يناسب، ولكنه يهمل هذا الطريق ليهجم في غير أوان، وعلى غير موعد؛ ثم لا يقبل العرف أن يُردَّ عن البيت وقد جاء، مهما كره أهل البيت تلك المفاجأة بلا إخطار ولا انتظار!
 
ونحن اليوم مسلمون، ولكننا نطرق إخواننا في أية لحظة... في موعد الطعام، فإن لم يقدم لنا الطعام وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئا! ونطرقهم في الليل المتأخر، فإن لم يدعونا إلى المبيت عندهم وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئا! دون أن نقدر أعذارهم في هذا وذاك! 
 
فحاجتنا ماسة لكي ننهض من جديد، أن نتأدب بآداب الإسلام، ونلتزم بأحكامه، ونطبقها أولا في أنفسنا وفي أهلينا، ليقوم بذلك الأساس السليم الذي يرتفع عليه بنيان المجتمع الإسلامي الذي ننشده جميعا... فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم...
 
بقلم مام غور سار
كلية علوم وتكنولوجيا التربية والتكوين
 
يوم الجمعة 09 جمادى الأولى 1441هـ الموافق 03 يناير 2020م 
 
 

المراجع

1) أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، أحكام القرآن دار الفكر، بيروت، ج2 ص2691

2) سيد قطب، في ظلال القرآن، ط24، (1415هـ 1995م)، دار الشروق – بيروت، ج4 ص2507

3) المصدر السابق ص2508 (بتصرف)

4) أبو عبد الله القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مؤسسة مناهل العرفان – بيروت ج6 ص220

5) سيد قطب، في ظلال القرآن ج4 ص2508

6) صحيح البخاري، كتاب الاستئذان: باب الاستئذان من أجل البصر (6241) 

 
 
Lu 232 fois Dernière modification le lundi, 06 janvier 2020 06:11

Laissez un commentaire

Assurez-vous d'indiquer les informations obligatoires (*).
Le code HTML n'est pas autorisé.