lundi, 16 décembre 2019 14:29

الطفلة المتسولة

Écrit par
Évaluer cet élément
(1 Vote)

 لقيتُها طفلة صغيرة، تُناهز ـ فيما يبدو ـ الثالثة من عمرها، تتخلّل المارِّين المتدفّقين من الجامع، بعد صلاة الجمعة الـ 9 ربيع الثاني 1441هـ . لقيتُها وهي تمشي في اتجاه معاكس تتصدّى للنّاس، تمدُّ يدَها، وتحرّكها ميمينة وميسرة، أعلى وأسفل، بأسلوب مضطرب تُلفت الأنظار... نظرتُ إليها وعلمتُ أنها تتسوّلُ، وإن لم تُسمَع من يدها الصغيرة المضطربة رنّاتُ القطع المعدنيّة، لا البيضاء منها ولا الصفراء. فهل لأنها انطلقت حالا؟ أم لأنّها رجعت حالا، بعد ما أفرغت يُديَّتَها التي كانت ملأى قبل قليل، في صُرَّة مَخفيّةٍ عند إنسان ما؟
    أم أن تلك المرأة البائسة، والتي تجلسُ هنالك، وتصوّبُ نظراتِها إلى الطفلة، وتراقب حركاتِها، وتقرأ خلجاتِ نفوس المارّين، وتَتَتبّعُ أشعّةَ عواطفهم، السلام  هل تتسلَّطُ على الطفلة، أم تنحرف عنها؟ وهل تمتدُّ الأيدي من الجيوب إليها فترجو النوال؟ أم تبقى الطفلةُ عُرضة للرحمات واللعنات فحسب، دون الفرنكات؟... يبدو أنّ بينهما (المرأة والطفلة) علاقةٌ قريبة أم بعيدة.
   في تلك اللحظة انتابني شعور عميق، بل مريع؛ لأنّي تخيلتُها طفلتي التي تركتُها في منزلي، وهي في سنّ هذه، وتساءلتُ متى وجدتْ الطفلةُ السنغاليّة مكانتها في الشوارع، حين تفرُض العادةُ والعقيدةُ أن تُحفَظ في الخدور وفي الحجور؟ ومتى وصل بنا الحال إلى أن ننبُذَ طفلةً في الثالثة من العمر تتسوّلُ، وحدَها أو مع أمِّها أو كفيلتها ـ لا أدري ـ على مرأى من الجماهير، بل جماهيرٍ من المسلمين، بل الرائحين منهم من شعيرة الجمعة؟؟ 
   فهذه الحالة تعكِس ما وصل إليه الشعبُ السنغالي المسلم من الاكتواء بالويلات المتسبّبةِ من فقر مادِّي عريض، وحاجة روحية ملحَّة، وأزمة اجتماعية عويصة.
فقر مادّي:
     إن الفقر مصيبةٌ تجب إزالتها بالعمل الدائم "وقل اعملوا..."  كما يلزمُنا تقليلُ وقْعِه بترشيد الموارد والإمكانات؛ "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها..."  ويتحتّم علينا سترُ ملامحه بالصبر والتعفّف " يحْسبهم الجاهل أغنياء من التعفف..."  وهذه المستويات الثلاثة: إزالة الفقر، تقليل وقْعه، سترُ ملامحه، تتوالى على ترتيب منطقي لزومي؛ فلا يجوز الستر إذا أمكن التقليل؟ ولا يُكتفى بالتقليل إذا تيسَّرت الإزالة؟
حاجة روحية:  
    إنّ أرواحنا في حاجة ملحّة إلى التطهير وإزالة ما علِق بها من الأدران حتى تستشفّ الأستارُ، ويخرج الإنسانُ من قفص المادية، ويتحرّر من قيود الأنانيّة، ويرتقي إلى  درجات التضحيّة لصالح المجتمع، بمعاونة الفقراء والمحرومين " والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم"... وهل سيُسمح لنا أن ندخُل ملكوت السماء، إلا باسترضاء من في الأرض من المحتاجين؟
  أزمة اجتماعية
    المجتمع المؤمن المثالي لا يتجسّدُ على أرض الواقع ما لم يتناغم مع الحديث النبوي التالي، تطبيقا وتفعيلا: "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى"
فقد أعجز النبي صلى الله عليه وسلم علماءَ الاجتماع، ونبغاء البلاغة في هذا التشبيه التمثيلي المقرَّب إلى الأذهان، لأنه استعمل وسيلةً تربويّة متوفرة مع الجميع وهي"الجسد" في حالة "الشكوى"، والتي تعتري الجميع على السواء؛ فالمجتمع جسد واحد، والأفراد هم الأعضاء، والحاجة مصدر الشكوى.
وقوله: "تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" يُمثّل آلية التعاون والتكافل الاجتماعي، كل بما عنده...  لا يُعذر أحد في المجتمع "سائر الجسد"، وهذا التّداعي يقتضي وجود اتصال وثيق بين الأفراد، يُضاهي اتصالَ الجهاز العصبي في الجسد، والذي يتمتعُ بسرعة الإخبار، وصدق الأخبار، في حالته الطبيعيّة، والذي يعمل على تقنيات عالية الدّقة، ونُظم إدارية صارمة.
وقوله: "إذا اشتكى منه عضو" يُلفت إلى خطورة إهمال الشكاوي حتى تتراكم وتنتشر في المجتمع؛ بل تجب المبادرةُ إلى معالجة احتياجات كل عضو يشتكي، وقضاء حاجاتها قبل  أن يشتكي عضو آخر.
إنه حديث نبوي، بل معجزة اجتماعيّة، وآلية إغاثيّة، وإرشاد إلى العمل الخيري المستمرّ الفعّال. حبذا لو قُمنا بتفعيله على الوجه اللائق والمُشْبِع لمُختلَف أبعاده المجتمعية، لا في حلقات العلم وقاعات التعلُم فحسب، بل وعلى منابر المساجد، ومدرجات المسرحيّات، وفي مجالس النُوّاب، ومكاتب الوزراء، بل وفي دواوين الرؤساء ومنصّات الساسة أجمعين.
حتى لا نلتقي مرّة أخرى مع طفلة صغيرة تمدّ يدها إلى المارّين، ونَبحث هل معها سائق وشهيد، ولا نتبيّن في ذلك كثيرا ولا قليلا، ونُردِّد: "إن نظن إلا ظنّا وما نحن بمستيقنين".


أحمد جه   دكار 8/12/2019م 

 

 

 

 

 

 

Lu 467 fois Dernière modification le lundi, 16 décembre 2019 14:53

Laissez un commentaire

Assurez-vous d'indiquer les informations obligatoires (*).
Le code HTML n'est pas autorisé.