mardi, 12 novembre 2019 15:40

لا تمنعوا الأولاد مساجد الله

Écrit par
Évaluer cet élément
(1 Vote)

هذا العنوان على غرار قوله صلى الله عليه وسلم:" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". وسننطلق من هذا الحديث النبوي، في حديثنا اليوم معكم، عن مشهد يتكرّر كثيرا، ويقع في بقاع مختلفة الأقاليم في بلدنا سنغال، وتحمل تلك البقاع جميعها اسما واحدا ألا وهو المسجد.

   كثيرا ما يُنتهر الولد الصغير في المسجد لتصرّف صبياني صدر منه، وكثيرا ما يُخرج من المسجد جبرا، ورغمَ والده، أو أخيه، الكبير، أو مرافقه إلى المسجد، مهما كانت العلاقة بينهما، فالعلاقة لا تهمُّ عند هؤلاء الشيوخ الذين يحمُون حمى المسجد ــ كما يدّعُون ــ ويبرّرون ذلك الانتهار و الإخراج أحيانا، مع الإحراج غالبا، بخطاب مرتجل مفادُه: (أن الصبيان لا يتوضؤون، أو يتكلمون ويرفعون أصواتهم أثناء الصلوات، ويعكرون الجوّ الروحاني بالصيحات و الصرخات... ولو جاء جميع المصلين بأبنائهم وإخوتهم الصغار لانفجر المسجد بجوّ يشبه  جوّ الأسواق والملاعب، فعلى كل ما سبق، يجب أن تَمنعوا صغاركم مساجد الله) انتهى خطابهم.

   وقد اختاروا عبارة "أن تمنعوا" بدقة، لأن الولد الصغير ينمو بالمحاكاة والتقليد، إذا لم يُمنع سيتّبع كبارَه وسيقتدي بهم، إذا رآهم يرتادون المساجد.

   والمشهد الأخير الذي أسال حبر قلمي فأبى إلا أن يسجلّه، قد حدث في دكار العاصمة، وفي جامع كبير جدا، في صلاة العشاء، ليلة الخميس 10 ربيع الأول 1441هـ  وفي هذه المرّة صدر مثلُ الخطاب السابق من إمام المسجد، بعدما سلّم مباشرة، واستعمل الميكروفون، ليُسمع من في المسجد، ومن لم يحضروا من أهل الأعذار، وغيرهم من المارّين ــ ربماــ ونريد أن نقف مع الخطاب ونضعه تحت مجهر المنطق، وتحت أشعة النصوص الشرعية، لنرى وجاهة الخطاب وقيمته.

فالصبيان لا يتوضؤون؛ فهم ليسوا على طهارة... فنتساءل: متى يَلزم غير المكلف أن يلتزم الأحكام التكليفيّة؟ وبسؤال أبسط: متى نُكلّف غير البالغ؟ ونجعل الصبي كالكبير في الأحكام؟ إن هذا الإمام وأمثاله، يحسُن أن يُدارس معهم الفقه وأحكامه الأوليّة، ويراجع معهم حديث: " رُفع القلم عن ثلاث... وعن الصبي حتى يحتلم".

   أما أن الصبيان يتكلّمون، ويرفعون أصواتهم عند الصلاة، ويعكّرون صفو التأمّل، ولذة التسبيح. يبدو هذا الكلام وجيها في الوهلة الأولى، ولكن بعد التمحيص، لا يكفي مبرّرا لمنع الصبيان مساجد الله؛ لأن الصّبا مرحلة عمرية ليّنة، بمعنى أن الصبيَّ قابل للتربية والتهذيب مثل الغصن الرطب، ولا بدّ أن يتصرّف ليُوجَّه؛ بتعزيز تصرّفه الصائب، وتصحيح تصرفه الخاطئ ، وعلى أهل المسجد، بدايةً من الإمام أن يواجهوا الصبيان بالتوجيه الرفيق الليّن، ويدلُّوا مرافقيهم على أساليب التهذيب الناجعة، لتقويم سلوك الصبيان، داخل المساجد وخارجها. ومن المقترحات لتقليل كلام الأطفال داخل المساجد: أن لا يُعزلوا عن الكبار، وليصلّ كل صبيّ بجانب مرافقه، لأنهم إذا خلوا وحدهم قالوا: إنا معكم... 

   أما التبرير الأخير: لو جاء جميع المصلين بأبنائهم وإخوتهم الصغار لانفجر المسجد بجوّ يشبه جوّ الأسواق والملاعب. فهذا يدْفعه الكلامُ السابق القريب؛ إذْ لو جاء المصلّون بصبيانهم على نيّة التربية والتهذيب، وعلى بصيرة في أساليبهما، أو استقبلهم طواقم المساجد بهما، لرجعت مساجدنا كما كانت من قبل، ملتقى أُنس اجتماعي، ونقاء روحي لجميع مكونات المجتمع، والتي من أهمّها مجتمع الطفولة. وإذا لم يتهذّب أولاد المسلمين في مساجدهم، فأين سيتهذبون؟ وإن لم نربّهم في الصبا بتقويم تصرفاتهم، فمتى نربيهم؟

   وطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأطفال، تختلف اختلافا واضحا عن واقع كثير من المسلمين مع الأطفال في المساجد. وإليكم موقفا واحدا من تلكم المواقف التي حصلت مع الرسول والأطفال، في مسجده الشريف، حتى نتعلّم ، ونهتدي بهديه عليه الصلاة والسلام؛ 

عن شداد رضي الله عنه قال: خرج علينا الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشيّ الظهر أو العصر، وهو حامل حَسنا أو حسينا، فتقدم النبي فوضعه عند قدميه ثم كبّر للصلاة، فصلّى، فسجد سجدة أطالها. قال: فرفعتُ رأسي من بين الناس فرأيتُ الصبيّ على ظهر الرسول وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلمّا قضى الرسولُ الصلاةَ قال الناس: يا رسول الله إنك سجدتَ سجدة أطلتها حتى ظننّا أنه قد حدث أمر، أو أنه يُوحي إليك؟ قال: "كلُّ ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهتُ أن أعجله حتى يقضي حاجته". (رواه النسائي والحاكم)

   فيا له من رسولٍ يراعي تفسيّات الطفولة، ويصبِر على  تصرُّفاتهم الصبيانيّة، ويجودُ لهم بوقته على حساب المصلين وراءه، والذين منهم من يرفع رأسه بعد مدّة ــ في السجود ــ تزيد على المعتاد، كما كان يحمل الأطفال حتّى أثناء  صلواته، صلى الله عليه وسلم. 

    وعلى هذا وما سبق، ندعو الدعاة إلى الله، أن يقوموا جميعا بتوعية طواقم المساجد نحو حسن احتواء هذه البراعم، والتي إذا ذبُلت لنقص تعهّدنا بها، فدَمّرناها بالانتهار المنفّر عن المساجد، والمنع الصارم عن مرافقة الكبار في طفولتها المبكّرة، وحجبْناها عن أن تُشارك في الشعائر الإسلامية، حتى لم تألفْ عادات الجماعة، ولا آداب الاجتماع، إذا ارتكبنا هذا ــ سهوا أو عمداــ فقد حفرنا خندقا عميقا بينها وبين التزام الصحيح لدين الفطرة، وذلك خطر عويص على الأمّة، في مستقبلها القريب والبعيد. 

  وقديما قال الولوف: فيما يمكن ترجمته بـ (لن تكون أستاذا في مادّة لم تتتلمذ فيها).      

أحمد جه                            

Lu 480 fois Dernière modification le mardi, 12 novembre 2019 16:11

Laissez un commentaire

Assurez-vous d'indiquer les informations obligatoires (*).
Le code HTML n'est pas autorisé.